الملكة بلقيس: القصة الكاملة لملكة سبأ بين الأسطورة والتاريخ وانتشارها عبر الحضارات
تُعد الملكة بلقيس، أو ملكة سبأ، رمزًا خالدًا يجمع بين الحكمة والجمال والسلطة في واحدة من أعظم ممالك الجنوب العربي. وقد ورد ذكرها في الديانات السماوية الثلاث — الإسلام ثم المسيحية ثم اليهودية — بالإضافة إلى حضورها القوي في الأدب الفارسي والإثيوبي. هذا المقال يقدم بحثًا موسعًا يجمع الروايات الدينية والتحليل التاريخي والأدلة الأثرية وانتشار الأسطورة خارج حدود الشرق الأوسط.
من هي الملكة بلقيس؟
بلقيس في الإسلام
يقدّم القرآن الكريم أوسع سرد عن ملكة سبأ في سورة النمل (22–44). يظهر في القصة أن الملكة كانت حاكمة قوية لديها مجلس شورى، وكانت صاحبة قرار، وتمتعت بحكمة سياسية عالية. وبعد اختبارها لعرشها ورؤيتها لآيات قدرة الله، أعلنت إيمانها. ورغم عدم ذكر اسم “بلقيس” في النص القرآني، فإن التراث الإسلامي هو الذي أطلق عليها هذا الاسم.
بلقيس في المسيحية
تظهر ملكة سبأ في العهد القديم، وتحديدًا في سفر الملوك وسفر أخبار الأيام. يصفها النص بأنها حاكمة ثرية قدمت إلى سليمان لاختبار حكمته بأسئلة وألغاز، وقدمت هدايا ضخمة من الذهب والبخور. لكن مثل التراث اليهودي، لا يُذكر اسمها الحقيقي.
بلقيس في اليهودية
تتشابه الرواية اليهودية مع المسيحية، حيث يتم التركيز على حكمة سليمان وثراء ملكة سبأ، دون ذكر اسم شخصي للملكة. وهذا يجعل اسم “بلقيس” عربيًا وإسلاميًا بالأساس.
بلقيس في التراث الإثيوبي – مكيدا
في كتاب الكِبرا ناگاست (Kebra Nagast)، تظهر الملكة باسم مكِيدا. تروي النصوص الإثيوبية أنها زارت سليمان، وأنجبت منه ابنًا هو منليك الأول، الذي يُعد المؤسس الرمزي للسلالة السليمانية. هذه الرواية لها طابع قومي وسياسي، وهي جزء من الهوية التاريخية لإثيوبيا.
مملكة سبأ: الحضارة التي صنعت الأسطورة
الموقع والازدهار
كانت مملكة سبأ واحدة من أعظم ممالك جنوب الجزيرة العربية. اشتهرت بـ:
- شبكة تجارة دولية تعتمد على البخور واللبان.
- سد مأرب الذي منح المملكة قوة زراعية هائلة.
- علاقات تجارية مع إفريقيا والشرق الأدنى.
- نظام سياسي متطور يظهر في النقوش السبئية.
الأدلة الأثرية
يرتبط اسم “عرش بلقيس” اليوم بمعبد أوام ومعبد برّان في مأرب، وهي مواقع أثرية ضخمة كانت المركز الديني لسبأ. ورغم جمال وضخامة هذه الآثار، فإنها لا تقدم دليلًا مباشرًا على شخصية الملكة نفسها. كما أن النقوش السبئية المكتشفة حتى اليوم لا تحتوي على اسم “بلقيس”، لكنها توثق وجود ملكات ونفوذ نسائي في بعض الفترات.
هل كانت بلقيس شخصية حقيقية؟
هناك ثلاثة اتجاهات بحثية:
- شخصية تاريخية حقيقية: ربما كانت ملكة قوية بالفعل، خاصة مع وجود دلائل على حكم نسائي في سبأ.
- أسطورة تطورت مع الزمن: بسبب اختلاف الروايات بين الإسلام والمسيحية واليهودية وإثيوبيا.
- أسطورة قائمة على أساس تاريخي: وهو الرأي الأكثر قبولًا، حيث بنيت القصة على حاكمة سبئية لم يصل اسمها إلينا.
انتشار قصة بلقيس في الحضارات الأخرى
1 — بلقيس في فارس (إيران)
الأدب الفارسي الإسلامي تبنّى القصة بقوة، واعتبر بلقيس رمزًا للجمال والحكمة. لكنها ليست جزءًا من الميثولوجيا الفارسية القديمة، بل جاءت من خلال روايات الديانات السماوية.
2 — بلقيس في الهند والسند
لا توجد أسطورة هندية أصلية عن ملكة سبأ، لكن القصة انتشرت عبر التراث الإسلامي والفارسي في الهند. كما استُخدمت رمزيًا في بعض الكتابات الحديثة.
3 — بلقيس في الصين واليابان
لا تحتوي الميثولوجيا الصينية أو اليابانية على أي ذكر لملكة سبأ. يظهر اسمها فقط في الترجمات الدينية أو الدراسات المقارنة.
لماذا أصبحت بلقيس رمزًا عالميًا؟
- نموذج للقيادة النسائية الفريدة في التاريخ القديم.
- رمز للحكمة السياسية والدهاء.
- ارتباطها بمملكة غنية وقوية مثل سبأ.
- حضورها في الديانات السماوية الثلاث.
- مرونتها الأسطورية وانتشارها في الفارسية والإثيوبية والعربية.
الخاتمة
تبقى الملكة بلقيس واحدة من أكثر الشخصيات التاريخية إثارة للإعجاب، فهي تجمع بين الأسطورة والتاريخ، وبين التراث الديني والحضاري. ورغم غياب الدليل الأثري القاطع على وجودها، فإن تأثيرها الثقافي يجعلها رمزًا خالدًا للحكمة والجمال وقوة الحُكم.