الكون العربي – تاريخ الحضارات والتراث العربي الكون العربي – تاريخ الحضارات والتراث العربي

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

ابن الرومية… حكيم النبات وحديث الأندلس: سيرة عالم جمع بين الطب والرواية والرحلة


صورة ابن الرومية عالم النبات والحديث في الأندلس داخل تصميم إسلامي ذهبي

يُعَدّ ابن الرومية واحداً من أعلام الحضارة الأندلسية الذين جمعوا بين علم الحديث وعلم النبات والعقاقير، وصاغوا بخبرتهم مدرسة علمية نادرة تجمع بين الرواية والرحلة والاكتشاف.
اشتهر باسم أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج الأموي بالولاء، الإشبيلي، وكان عالماً متمكناً، محدثاً ثقة، وطبيباً نباتياً بارعاً في معرفة الأعشاب وخواصها. وتمثل سيرته نموذجاً حياً لازدهار العلم في الأندلس خلال القرن السادس الهجري، حيث اجتمع الشغف بالمعرفة مع روحية البحث والسفر.

نشأته وبداياته في إشبيلية

وُلد ابن الرومية سنة 561 هـ في مدينة إشبيلية، تلك الحاضرة التي كانت تُعدُّ من أعظم مراكز العلم والأدب في الغرب الإسلامي. في أحيائها وبين حدائقها الغنّاء وبيئتها الطبيعة الخصبة، بدأت عيناه تتفتحان على عالمين متداخلين:
عالم العلوم الشرعية والحديث الذي كان محور النهضة الفكرية، وعالم النبات والأعشاب الذي ازدهر في بيئة الأندلس الغنية بالغطاء النباتي.

تلقى ابن الرومية علومه الأولى على يد محدثين وعلماء الأندلس، لكنه لم يكتفِ بالتلقي النظري، بل ظهرت عليه منذ صغره بوادر ميول علمية مميزة:

  • شغف دقيق بتتبع أسماء الأعشاب وخواصها.
  • ميلٌ واضح إلى الرحلة والتنقل بحثاً عن الحديث وطلب الرواية.
  • رغبة في مقارنة نباتات الأندلس بنباتات المشرق.

هذه الميول مجتمعة جعلته في شبابه من طلاب العلم الذين لا يتوقفون عند حدود ما يتوفر في بيئتهم، بل يسعون لاكتشاف كل جديد.

دوافع الرحلة… العلم الذي لا يكتمل إلا بالسفر

لم يكن السفر عند ابن الرومية رفاهية ولا مغامرة شخصية، بل كان منهجاً علمياً أساسياً.
فقد رأى أن علم الحديث لا يكتمل إلا بسماع الرواية من شيوخها، كما أن معرفة النبات لا تثبت إلا بالمعاينة المباشرة في منابته.

لذلك انطلق في أولى رحلاته بين مدن الأندلس:

  • يزور علماءها ومحدثيها
  • ويقابل عشابيها
  • ويجمع نماذج من نباتاتها

لكن حدود الأندلس لم تكن كافية لطموحه، فشدّ الرحال إلى حيث تتعدد البيئات النباتية ويكثر العلماء المحدثون.

رحلته الكبرى إلى المشرق – محطة مصر سنة 613 هـ

في سنة 613 هـ وصل ابن الرومية إلى مصر، وكانت حينها ملتقى العلماء وقِبلة الطلاب.
أقام فيها مدة طويلة، درس خلالها الحديث على أيدي كبار المحدثين، وفي الوقت نفسه تعرّف على نباتات لم يرَ مثلها في الأندلس.

كانت مصر محطة مهمة لعدة أسباب:

  1. تنوّع بيئتها النباتية بين الدلتا والصعيد والصحاري.
  2. وجود مراكز طبية وصيدلانية في القاهرة والإسكندرية.
  3. ازدهار علم الرواية والحديث منذ العصر الفاطمي ثم الأيوبي.

ومن مصر بدأت مرحلة جديدة من رحلته.

الجولات العلمية في الشام والعراق والحجاز

بعد إقامته في مصر، أكمل ابن الرومية رحلته شرقاً نحو:

  • بلاد الشام
  • العراق
  • الحجاز

واستمرت رحلته في هذه البلاد سنتين كاملتين، قضاها بين حلقات الحديث، وحقول النباتات، وأودية الأعشاب، ومواطن العقاقير التي اشتهرت بها أرض المشرق.

خلال هذه المرحلة:

  • جمع عشرات العينات النباتية.
  • دوّن ملاحظات علمية دقيقة على أشكال النباتات، ومواضع إنباتها، واختلاف خصائصها.
  • سمع أحاديث كثيرة على يد علماء عُرفوا بالضبط والإتقان.

عندما عاد إلى مصر بعد جولاته، كان قد حقق شهرة واسعة جعلته من أعلم أبناء عصره بالنبات والعقاقير والحديث.

مكانته في مصر وتقدير الملك العادل الأيوبي له

بلغت شهرة ابن الرومية الملك العادل أبي بكر بن أيوب، الذي عرف باهتمامه بالعلم وأهله.
فلما وصل ابن الرومية إلى الإسكندرية، بلغ خبره السلطان فأرسل في طلبه، واستدعاه إلى القاهرة.

استقبله الملك العادل استقبالاً يليق بالعلماء، وأكرمه، ورسم له مرتباً ثابتاً (جامكية) ليقيم في مصر ويكون من علماء السلطنة.

ومع ذلك، رغم كل هذا التقدير، اعتذر ابن الرومية قائلاً:

"إنما خرجت من بلدي لأحجّ بيت الله، ثم أعود إلى أهلي."

لم يتشبث بالمناصب ولا بالمال، وإنما بقي وفياً لرحلته العلمية التي بدأت طلباً للرواية والعبادة والمعرفة.

جمع الترياق الكبير وتركيبه

خلال مقامه في القاهرة، قام ابن الرومية بمهمة علمية مهمة:

جمع الترياق الكبير وتركيبه، وهو دواء مركب كان يُستخدم لمقاومة السموم والأمراض الخبيثة.

ولا يقوم بهذه المهمة إلا أعلم العلماء بالعقاقير والأعشاب، ما يدل على مكانته العلمية العالية وثقة الأطِباء والسلاطين به.

عودته إلى الأندلس ووفاته

بعد أداء الحج وزيارة الحجاز، عاد ابن الرومية إلى الأندلس ليستقر في مسقط رأسه إشبيلية، حيث بقي فيها حتى وفاته في آخر ربيع الثاني سنة 637 هـ.

عاد وهو يحمل:

  • علماً واسعاً
  • خبرة ميدانية
  • وشهرة بين العلماء والأطباء والمحدثين

فكان بحق واحداً من أبرز العلماء الذين جمعوا بين علوم الرواية وعلوم الحياة.

مؤلفات ابن الرومية – إنتاج علمي زاخر

ترك ابن الرومية ثروة علمية كبيرة تنوعت بين النبات والحديث والعقاقير. من أهم مؤلفاته:

أولاً: في علم النبات والعقاقير
1- تفسير الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس
وهو من أهم أعماله، إذ شرح فيه كتاب ديسقوريدس وأضاف إليه من خبراته مشاهدةً وتجربة.
2 -أدوية جالينوس
يعرض فيه الأدوية وخواصها وطريقة تأثيرها.
3- الرحلة النباتية
سجل فيه مشاهداته للنباتات في الأندلس والمشرق.
4 -المستدركة
يضيف فيه نباتات وأعشاباً لم تُذكر في كتب السابقين.
5 -تركيب الأدوية
وهو من أوائل المؤلفات التي تجمع بين علم العقاقير والنباتات الطبية.
6 -كتاب أسماء الحشائش مرتّبة على حروف المعجم
عمل فريد في ترتيبه ومنهجه، ويسهّل على المشتغلين اكتشاف خصائص النباتات.

ثانياً: في علم الحديث

1 - نظم الدراري في ما تفرد به مسلم على البخاري دراسة دقيقة للحديث النبوي ومناهج الرواية.
2 - مختصر الكامل
3 - توهين طرق حديث الأربعين
فهرست جمع فيه أسماء شيوخه وما رواه عنهم في الأندلس والمشرق.
وتدل هذه الأعمال على عقلية موسوعية تجمع بين الدين والطب والطبيعة.

رأي العلماء فيه – شهادة ابن أبي أصيبعة

خصّه ابن أبي أصيبعة بترجمة طويلة في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء، جاء فيها:

"هو أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج النباتي المعروف بابن الرومية… قد أتقن علم النبات ومعرفة أشخاص الأدوية وقواها ومنافعها، واختلاف أوصافها، وتباين مواطنها… كثير الخير، موصوف بالديانة، محقق للأمور الطبية…"

وتابع قائلاً إنه عاين نباتات في مصر والشام والعراق لم توجد في المغرب، وأن الملك العادل أكرمه وقدّر علمه، وأنه جمع الترياق الكبير وركّبه بنفسه.

هذه الشهادة تعد من أعلى درجات التوثيق العلمي، إذ تأتي من واحد من أكبر مؤرخي الطب في العالم الإسلامي.

مكانة ابن الرومية العلمية

يمتاز ابن الرومية بعدة خصال تجمعه مع كبار علماء المسلمين:

1. عالم رحالة

رحلته كانت بحثاً عملياً وليس مجرد سياحة.

2. موسوعي المعرفة

جمع بين الطب والنبات والصيدلة والحديث.

3. محقق ومدقق

كان دقيقاً في وصف النباتات ومواضع إنباتها.

4. صاحب منهج مقارن

قارن بين نباتات الشرق والغرب بدقة علمية نادرة.

أثره في التراث العلمي

يمثل ابن الرومية حلقة مهمة في تاريخ الصيدلة والنبات عند العرب، لأنه:

  • اعتمد على المشاهدة الحية للنباتات.
  • نقل إلى الأندلس أنواعاً من النباتات الجديدة.
  • صحّح ما ورد في كتب اليونان والرومان من أخطاء.
  • دوّن مصطلحات نباتية أصبحت مرجعاً لعلماء المغرب الإسلامي.

كما ترك أثراً في علم الحديث من خلال ضبطه للروايات وتوثيقه للمشيخة.

يبقى ابن الرومية واحداً من أبرز العلماء الأندلسيين الذين جمعوا بين العلم الشرعي والعلم الطبيعي، وبين الرواية والتجربة، وبين الحديث والطب.

رحلته الطويلة بين الأندلس والمشرق صنعت منه عالماً موسوعياً، ومؤلفاً مبدعاً، وشخصية علمية نادرة في تاريخ الحضارة الإسلامية.

إن دراسة سيرته تكشف عن روح الحضارة العربية الإسلامية التي جعلت من الرحلة والمعرفة والعمل المشاهد أساساً لبناء العلم الحقيقي.


تصفح النسخة الانجليزى للمقال

عن الكاتب

Sherif Shaaban أنا شريف شعبان، متخصص في مجال الكهرباء والطاقة، وصاحب موقع عرب فولت الذي يقدّم محتوى تقني موثوق ومبسّط يساعد المهندسين والفنيين والمهتمين بالمجال على تطوير مهاراتهم وفهم الأنظمة الكهربائية بشكل عملي وواضح. إلى جانب عملي في المجال الفني، أنا كاتب روايات وشعر، وصاحب مشروع "الكون العربي" ونسخته الإنجليزية "The Arab Universe" — وهو مشروع أدبي يقدّم رؤية مختلفة للعالم من خلال قصص، مشاهد، ولحظات إنسانية تلامس القلب وتفتح الخيال. أجمع بين التقنية والفن… بين الكهرباء التي تُضيء العالم، والكلمات التي تُضيء الروح. مرحبًا بك في عالمي.

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكون العربي – تاريخ الحضارات والتراث العربي