الكون العربي – تاريخ الحضارات والتراث العربي الكون العربي – تاريخ الحضارات والتراث العربي

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

محمد علي باشا: صعوده إلى الحكم وبدايات تأسيس الدولة الحديثة – الجزء الأول

يغطي هذا الجزء مسيرة صعود محمد علي باشا إلى حكم مصر، وصراعه مع المماليك والعثمانيين، ودوره في تثبيت سلطته وبداية مشروعه لبناء الدولة الحديثة.
صميم ذهبي على خلفية سوداء يضم قلعة محمد علي وقلعة صلاح الدين وقلعة قايتباي وقصر عابدين وقصر المنتزه في خط واحد أسفل الصورة.
ينظر إلى شخصية محمد علي باشا على أنها إحدى أكثر الشخصيات تأثيرًا في المسار السياسي والاجتماعي لمصر في القرن التاسع عشر. فهو الرجل الذي انتقل من ضابط ألباني بسيط إلى حاكم لمصر، ثم إلى مؤسس دولة ذات مشروع واضح المعالم، وحاكم امتد نفوذه من مصر إلى السودان والشام والأناضول.
ومع أنه ارتبط في أذهان الكثيرين بلقب "مؤسس مصر الحديثة"، إلا أن التاريخ يكشف أن هذه العبارة كان هو نفسه أول من روّج لها، ثم تبنتها الدوائر السياسية والثقافية في عهده وبعده، لتصبح جزءًا من الرواية الرسمية.

صعود محمد علي إلى الحكم

محمد علي باشا المسعود بن إبراهيم آغا القوللي، الملقب بالعزيز أو عزيز مصر، هو مؤسس الأسرة العلوية وحاكم مصر ما بين عامي 1805 إلى 1848… استطاع أن يعتلي عرش مصر عام 1805 بعد أن بايعه أعيان البلاد

جاء صعود محمد علي إلى الحكم في لحظة تاريخية دقيقة، كانت فيها مصر ساحة صراعات بين المماليك، والإنجليز، والعثمانيين. وفي ظل هذه الفوضى، استطاع محمد علي أن يناور بدهاء؛ فقدّم نفسه للشعب والعلماء باعتباره الرجل القادر على إعادة الأمن والعدل، فالتف حوله المصريون، وكان الدعم الشعبي بقيادة عمر مكرم هو حجر الزاوية الذي مكّنه من تولي الحكم. 

وبمبايعة أعيان البلاد له عام 1805، أصبح الحاكم الفعلي، وكسر العرف العثماني الذي لم يسمح لأي والٍ بالبقاء أكثر من عامين على رأس السلطة. أما هو فحكم مصر ثلاثة عقود، حكمًا أصبح هو نفسه جزءًا من تشكيل شخصية البلاد.

حروب التأسيس

خاض محمد علي في بداية فترة حكمه حربًا داخلية ضد المماليك والإنجليز… ثم خاض حروبًا بالوكالة عن الدولة العلية… كما وسع دولته جنوبًا بضمه للسودان… وبعد ذلك تحول لمهاجمة الدولة العثمانية

 منذ سنوات حكمه الأولى، أدرك محمد علي أن تثبيت سلطته لن يتم إلا عبر القضاء على القوى العسكرية المنافسة.

فشن حملاته ضد المماليك، ثم صدّ الإنجليز، وتمكّن في النهاية من توحيد السلطة تحت يده. وكان طموحه العسكري جزءاً من مشروعه السياسي؛ فقاد جيوشًا نيابة عن الدولة العثمانية في الجزيرة العربية ضد الحركة الوهابية، ثم في اليونان، قبل أن تتوتر علاقته بالباب العالي ويبدأ في مهاجمة الأناضول نفسها.

بلغ نفوذه حدًّا جعل أوروبا تخشى سقوط الدولة العثمانية، فوقف التحالف الدولي ضد توسعه، وأجبره على التراجع والاكتفاء بمصر والسودان وراثيًا.

مشروعه الحضاري — تنمية التعليم والجيش والزراعة

خلال فترة حكم محمد علي، استطاع أن ينهض بمصر عسكريًا وتعليميًا وصناعيًا وزراعيًا وتجاريًا

في الداخل، كان مشروع محمد علي مشروع بناء دولة قوية:

  • أنشأ جيشاً نظامياً يعتمد على التجنيد.
  • أسس مدارس حديثة، وأرسل بعثات إلى أوروبا.
  • وضع لبنات نهضة زراعية وصناعية وتجارية ضخمة.

غير أن هذه النهضة لم تستمر طويلًا بعد وفاته، إذ لم يمتلك خلفاؤه المهارة ولا الإرادة التي امتلكها، فانحسر المشروع تدريجيًا حتى انتهاء حكم الأسرة العلوية وإعلان الجمهورية عام 1953

نشأة محمد علي… البدايات التي صنعت صعوده

ولد في مدينة قولة التابعة لمحافظة مقدونيا شمال اليونان عام 1769… وكان أبوه "إبراهيم آغا"… ثم أصبح يتيم الأبوين وهو في الرابعة عشرة… فأدرجه الشوربجي إسماعيل في سلك الجندية

وُلد محمد علي في مدينة قولة بشمال مقدونيا لأسرة ألبانية متوسطة الحال، ولم يكن في طفولته ما يشير إلى أن هذا الفتي سيصبح لاحقًا مؤسس دولة.
تُوفي والداه مبكرًا، فتكفّل به أقاربه وحكام المدينة، ودخل الجندية في سن مبكرة، حيث أظهر شجاعة وذكاء لفت الأنظار إليه. زواجه من أمينة هانم، المرأة الثرية، كان نقطة تحول في حياته؛ فقد منحته مكانة اجتماعية ونفوذًا داخل قولة، وأصبح مؤهلاً ليتقدم في السلم العسكري.

عندما قررت الدولة العثمانية إرسال قواتها لإخراج الفرنسيين من مصر، كان محمد علي نائب قائد الكتيبة الألبانية… وهناك بدأت مصر رحلتها معه.

فوضى ما بعد خروج الفرنسيين — مدخل محمد علي إلى المسرح السياسي

الصراع الثلاثي: العثمانيون – المماليك – الإنجليز

بعد فشل الحملة الفرنسية على مصر، وانسحابها عام 1801 شجع ذلك المماليك على العودة إلى ساحة الأحداث إلا أنهم انقسموا إلى فريقين كما شمل ذلك الصراع مجموعة من المؤامرات والاغتيالات

بعد خروج الفرنسيين سنة 1801، دخلت مصر مرحلة من الاضطراب السياسي الحاد. فقد عادت القوى القديمة التي أُزيحت بوجود الفرنسيين وخاصة المماليك إلى المطالبة بنفوذها. لكن المماليك لم يعودوا كتلة واحدة، بل انقسموا إلى:

  • فريق موالٍ للعثمانيين بقيادة إبراهيم بك الكبير
  • وفريق آخر موالٍ للإنجليز بقيادة محمد بك الألفي

هذا الانقسام فتح الباب لموجة من الاغتيالات والتحالفات المتناقضة، وصارت السلطة في مصر تتأرجح بين 3 أطراف، لا يثق أحدهم في الآخر، بينما الشعب المصري كان الضحية الأكثر تضرراً.

وفي هذا المناخ الفوضوي ظهر محمد علي بلا ضجيج لكنه سرعان ما أصبح العنصر الأكثر ذكاءً وقدرة على المناورة.

محمد علي… اللاعب الهادئ وسط العاصفة

صعوده الذكي بين العثمانيين والمماليك

خلال هذه الفترة من الفوضى، استخدم محمد علي قواته الألبانية للوقيعة بين الطرفين… وأظهر التودد لرجالات المصريين وعلمائهم

أدرك محمد علي أن الصراع ليس فقط على السلطة، بل على القلوب.
فاستخدم قواته الألبانية بدهاء للعب بين الفرقاء، فيقرب هذا الفريق حيناً، ويبتعد عن الآخر حيناً، ويوهم الجميع بأنه نصيرهم.

وفي الوقت نفسه، كان يتقرب من العلماء وكبار المصريين:

  • يجالسهم
  • يصلي وراءهم
  • يتحدث عن آلام الشعب
  • ويظهر نفسه كابن البلد رغم أصله الألباني

خطواته هذه صنعت له مكانة غير مسبوقة بين الناس، وجعلت اسمه يتردد في القاهرة كبداية لرجل “مخلص” قادر على وضع حد للفوضى.

تعيين خورشيد باشا… وبداية الانفجار الشعبي

السياق الذي صنع ثورة 1804–1805

وفي مارس 1804، تم تعيين والٍ عثماني جديد يدعى أحمد خورشيد باشا… فشل في كبح جماح قوات الدلاة… مما أشعل ثورة الشعب

عندما تولّى خورشيد باشا الحكم، ازداد الوضع سوءاً. فقد أرسل العثمانيون إلى مصر قوات “الدلاة” المعروفة بعنفها وسلبها، وحين دخلت القاهرة:

  • نهبت البيوت
  • اعتدت على السكان
  • ونشرت الرعب في الشوارع

طالب المصريون الوالي بإيقاف هذه الفوضى، لكنه لم يستطع السيطرة على العسكر. هنا خرج الشعب بقيادة عمر مكرم – نقيب الأشراف في ثورة شعبية حاسمة، وانتهت بعزل خورشيد باشا تماماً.

والبديل الذي رآه الناس مناسباً؟
محمد علي.

مبايعة محمد علي… لحظة تأسيس الدولة العلوية

الشرعية الشعبية قبل الشرعية العثمانية

اختار زعماء الشعب… محمد علي ليجلس محله… وفي 17 مايو 1805 بايعه أعيان الشعب… ثم أصدر السلطان فرمانًا بتوليته

في 17 مايو 1805 اجتمع أعيان القاهرة في دار المحكمة، وأعلنوا مبايعة محمد علي واليًا على مصر، في سابقة تاريخية جعلت الإرادة الشعبية أقوى من القرار العثماني.

وبعد أسابيع، لم يجد السلطان سليم الثالث بدًا من الموافقة، فأصدر فرمانًا رسميًا بتثبيت محمد علي في الحكم.

منذ تلك اللحظة بدأ مشروعه الكبير. 

حربه مع المماليك… الصراع الذي حسم مستقبل مصر

معركة البقاء الأولى

كان على محمد علي أن يواجه الخطر الأكبر… ألا وهو المماليك بزعامة محمد بك الألفي… فوقعوا في الفخ… وتقهقروا إلى الصعيد.

بعد توليه الحكم، لم يكن أمام محمد علي وقت للراحة؛ فالمماليك لم يتقبلوا صعوده السريع.

أرسلوا قوة لمهاجمة القاهرة عام 1805، لكن محمد علي نصب لهم فخًا محكمًا، وانتهت المعركة بخسارتهم وهروبهم إلى الصعيد.

كانت هذه أولى الإشارات على أن محمد علي ليس مجرد والي، بل قائد عسكري يعرف كيف يخطط ويحسم.

1806… عام المعارك الكبرى

الهزائم الأولى… ثم بداية التفوق

انهزمت قوات محمد علي… ثم عاد الألفي لحصار دمنهور… ثم وفاة البرديسي والألفي… ثم حملة محمد علي الناجحة إلى الصعيد

  • شهدت سنة 1806 تقلبات كبيرة:
  • هُزم جيش محمد علي مرتين
  • وكاد المماليك يستعيدون زمام القوة

لكن وفاة خصميه الأعظمين عثمان البرديسي و محمد بك الألفي قلبت الموازين تمامًا

فأرسل محمد علي جيشًا منظّمًا إلى الصعيد، واستطاع أن يهزم المماليك في أسيوط، ويفرض سيطرته على المنطقة، ويبدأ مرحلة تثبيت حكمه فعليًا.

الجزء الثانى من المقال محمد على باشا الجزء الثانى

عن الكاتب

غير معرف

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكون العربي – تاريخ الحضارات والتراث العربي