يمثل هذا الجزء من السيرة التاريخية لمحمد علي باشا مرحلة من أهم مراحل بناء الدولة المصرية الحديثة، حيث يسلط الضوء على صراعه مع الزعامة الشعبية بقيادة عمر مكرم، ومذبحة المماليك الشهيرة في القلعة، ثم خطواته الواسعة في بناء جيش نظامي وأساطيل بحرية، وتأسيس مؤسسات الدولة والإدارة والتعليم على الطراز الأوروبي. كما يتناول المقال سنواته الأخيرة وتقييم المؤرخين لإرثه بين من اعتبره باني مصر الحديثة ومن رآه حاكمًا مستبدًا استغل موارد البلاد. قراءة شاملة توضح كيف تشكّلت الدولة وكيف تغيّر وجه مصر في عصر محمد علي.
الزعامة الشعبية: عمر مكرم ودور النخبة المحلية
الزعيم الوطنى نقيب الاشراف / عمر مكرم , على الرغم من المساعدات التي قدمتها الزعامة الشعبية بقيادة نقيب الأشراف عمر مكرم، لمحمد علي بدءً بالمناداة به واليًا، ثم التشفع له عند السلطان لإبقائه واليًا على مصر. وبالرغم من الوعود والمنهج الذي اتبعه محمد علي في بداية فترة حكمه مع الزعماء الشعبيين، بوعده بالحكم بالعدل ورضائه بأن تكون لهم سلطة رقابية عليه، إلا أن ذلك لم يدم. بمجرد أن بدء الوضع في الاستقرار النسبي داخليًا، بالتخلص من الألفي وفشل حملة فريزر وهزيمة المماليك وإقصائهم إلى جنوب الصعيد، حتى وجد محمد علي أنه لن تطلق يده في الحكم، حتى يزيح الزعماء الشعبيين. تزامن ذلك مع انقسام علماء الأزهر حول مسألة من يتولى الإشراف على أوقاف الأزهر بين مؤيدي الشيخ عبد الله الشرقاوي ومؤيدي الشيخ "محمد الأمير".
كان لوجود زعامة شعبية مؤثرة —على رأسها نقيب الأشراف عمر مكرم— دور واضح في وصول محمد علي إلى السلطة واستقرار أوضاعه في فترة الحسّاسة الأولى. فقد كان عمر مكرم الشخصية التي تمثّل المصدَّر الشعبي والنفوذ التقليدي في القاهرة، فساند محمد علي وناشده مرارًا لدى الآستانة لإبقائه والياً.
لكن السياسة العملية لا تسير على وعود وحدها؛ فبمجرد ما استتب له الوضع نسبياً بعد انحسار خطر المماليك وفشل الحملة الإنجليزية وطمأنة القاهرة من الاضطراب، بدأ يظهر أن توازن القوى يتطلب من محمد علي سلطة مطلقة لا رقابة متواصلة من زعماء محليين.
تفاقمت الأمور مع الانقسامات داخل الأزهر حول إدارة الأوقاف، مما وفر مبررات سياسية واجتماعية للانقضاض على الزعامة التقليدية بحجج قانونية ودينية. وهنا انتهى دور عمر مكرم كقائد شعبي فعلي، وبدأت مرحلة استبدال الزعامات المستقلة بمشايخ يمكن للسلطة المركزية السيطرة عليهم بسهولة.
فرض الضرائب وصراع السلطة (يونيو 1809)
في شهر يونيو من عام 1809، فرض محمد علي ضرائب جديدة على الشعب… استغل محمد علي محاولة عدد من المشايخ والعلماء للتقرب منه وغيرة بعض الأعيان من منزلة عمر مكرم بين الشعب كالشيخ محمد المهدي والشيخ محمد الدواخلي، فاستمالهم محمد علي بالمال ليوقعا بعمر مكرم. وكان محمد علي قد أعد حسابًا… فطلب من زعماء المصريين أن يوقعوا على ذلك الحساب… إلا أن عمر مكرم امتنع عن التوقيع وشكك في محتوياته.
عندما فرضت الدولة ضرائب جديدة في يونيو 1809 كان ذلك اختباراً حقيقياً لقوة السلطة ولحساسية الشارع المصرى. ولأن مثل هذه الإجراءات تثير دائماً استياءً شعبياً، لجأ الناس إلى قائدهم الشعبي عمر مكرم. ورغم محاولات المصالح والوساطات، أراد محمد علي تمهيد الطريق أمام سيطرته المالية والإدارية؛ فاستغل التنافس بين النخبة، وقام باستمالة مشايخ وأعيان بطرق مادية وسياسية لخلق تزكية ظاهرية لحسابه المالي أمام الآستانة، بينما ظل عمر مكرم متمسكًا بموقف الحياد والرفض من توقيع وثيقة يرى فيها غموضًا أو تحايلاً على المال العام.
واجهة مباشرة: عزْل عمر مكرم ونفيه
فأرسل يستدعي عمر مكرم إلى مقابلته، فامتنع عمر مكرم، قائلاً "إن كان ولا بد، فاجتمع به في بيت السادات." وجد محمد علي في ذلك إهانة له، فجمع جمعًا من العلماء والزعماء، وأعلن خلع عمر مكرم من نقابة الأشراف وتعيين الشيخ السادات… ثم أمر بنفيه من القاهرة إلى دمياط. وبنفي عمر مكرم اختفت الزعامة الشعبية الحقيقية من الساحة السياسية، وحل محله مجموعة من المشايخ الذين كان محمد علي قادرًا على السيطرة عليهم إما بالمال أو بالاستقطاعات، وهم الذين سماهم الجبرتي "مشايخ الوقت.
حين رفض عمر مكرم الحضور للقائه في القصر، وطلب مقابلة محمد علي في مجلس خاص كنوع من الاحتراز والكرامة، اعتبر محمد علي ذلك تحدياً ومهانة لسلطته. استغل محمد علي تلك الحادثة لتفريغ تأثيره السياسي، فجمَع علماءً وزعماءً وأنصِب لَهم محكمة عهدت بخلع عمر مكرم من نقابة الأشراف واتهامه بمخالفات تزعمها السلطة (منها إدخال غير أشراف إلى الدفاتر) — ثم أصدر قرارًا بنفيه إلى دمياط.
بهذا الإجراء أُطيح بالزعامة الشعبية المؤسسة لتصبح الساحة المحلية خالية من قيادات قوية قادرة على منافسة السلطة، وحلت محلها نخبة من المشايخ الذين لا يملكون استقلالية فعلية، ووصَفَ المؤرخون ذلك بـ«مشايخ الوقت» — مشايخ صُنِعَت أو سُيِّرت وفق مزاج الحاكم.
مذبحة القلعة: النهاية الدموية للمماليك في القاهرة
رغم التظاهر بالمصالحة، ظلّ محمد علي حذِرًا من قدرة المماليك على استعادة قوة قد تهدّد حكمه. لذلك اتبع سياسة مغلقة المآلات: استدرج قيادات المماليك إلى القاهرة بوعدات ومنح، ثم نفّذ ضدهم عملية محكمة في 1 مارس 1811 أثناء احتفال في القلعة بمناسبة تجهيز حملة ابنه أحمد طوسون إلى الحجاز.بالرغم من أن محمد علي استطاع هزيمة المماليك، وإبعادهم إلى جنوب الصعيد. إلا أنه ظل متوجسًا من خطورتهم، لذا لجأ إلى استراتيجية بديلة… في ديسمبر من عام 1807… فأعلن محمد علي عن احتفال في القلعة بمناسبة إلباس ابنه طوسون خلعة قيادة الحملة… لبى المماليك الدعوة… وما أن انتهى الاحتفال حتى دعاهم محمد علي إلى السير في موكب ابنه… ثم أغلق الباب… فوجئوا بسيل من الرصاص… راحت ضحية تلك المذبحة المعروفة بمذبحة القلعة كل من حضر من المماليك، وعددهم 470 مملوك… ولم ينج من المذبحة سوى مملوك واحد يدعى "أمين بك"… وقد قُدّر عدد من قتلوا في تلك الأحداث نحو 1000 مملوك.
بناء الدولة: المشروع العصري ورهانات التحديث
مع حسم السلطة داخلياً، شرع محمد علي في تنفيذ مشروعه الأكبر: بناء دولة عصرية على نمط أوروبي. استعان بخبراء أجانب، ولا سيما بالفرنسيين من تيار السان سيمونيون، الذين ساهموا في صوغ مشاريع تعليمية وصناعية وأدارية نموذجية.اتجه محمد علي إلى بناء دولة عصرية على النسق الأوروبي في مصر،واستعان في مشروعاته الاقتصادية والعلمية بخبراء أوروبيين ومنهم بصفة خاصة السان سيمونيون الفرنسيون… وكانت أهم دعائم دولته العصرية سياسته التعليمية والتثقيفية الحديثة.
الجيش: من فرق متفرقة إلى جيش نظامي
أدرك محمد علي أنه لتحقيق أهدافه التوسعية، كان لا بد له من تأسيس قوة عسكرية نظامية حديثة… كانت محاولة محمد علي الأولى لتأسيس جيش نظامي عام 1815… وفي عام 1820، أنشأ محمد علي مدرسة حربية في أسوان… وبعد ثلاث سنوات من التدريب، نجحت التجربة… وبحلول شهر يونيو من عام 1824، أصبح لدى محمد علي ست كتائب من الجند النظاميين… وبذلك أصبح لمصر جيش نظامي… بلغ 169 ألف ضابط وجندي في إحصاء 1833، وإلى 236 ألف في إحصاء 1839.
كان الانتقال من جيوش مرتزقة إلى جيش نظامي أحد أعمدة مشروع محمد علي. بدأ التجريب عام 1815 بتدريب مجموعات من الأرناؤوط على النظم الحديثة، ثم أسس عام 1820 مدرسة حربية في أسوان أعقبها تدريب مكثف على يد ضابط فرنسي (جوزيف سيف) أفرز نواة الضباط المحدثين.
وبتراكم التجارب، صار لدى الدولة فرق نظامية محترفة، وازداد تعداد الجيش بشكل لافت حتى ضمّ في منتصف ثلاثينيات القرن التاسع عشر أعداداً كبيرة من الضباط والجنود تُقدّر بعشرات الآلاف، مصحوبة بإدارة متخصصة (ديوان الجهادية) لتنظيم الإمداد واللوازم والرواتب. وقد أتاحت هذه القوة العسكرية لمصر أن تنافس في ساحات إقليمية مهمة وأن تكون لاعباً ذا وزن في الصراعات الإقليمية.
الأسطول: بنية بحرية تكمّل القوة البرية
عندما شرع محمد علي في حرب الوهّابيين، اقتضت الحاجة إلى بناء سفن… ثم أمر في عام 1829 ببناء "ترسانة الإسكندرية"… قامت الترسانة بمهمة إعادة بناء الأسطول على الأنماط الأوروبية الحديثة… وقد بلغ عدد السفن الحربية التي صنعت في تلك الترسانة حتى عام 1837، 28 سفينة حربية.
لم يكن بناء جيش وحده كافياً لطموحات محمد علي، فكان لابد من أسطول يدعم عمليات النقل والإمداد ويحصّن السواحل. انطلق المشروع بدايةً بشراء وبناء سفن في أوروبا ثم تبلور بصورة حاسمة بإنشاء ترسانة الإسكندرية (1829) تحت إشراف مهندسين أوروبيين. وفي غضون سنوات قليلة انتجت الترسانة أسطولاً حربياً متقدماً من عدة عشرات من السفن، مما منح مصر قدرة بحرية استراتيجية أسهمت في توازن القوى الإقليمي.
سنواته الأخيرة ووفاته
بعد انسحاب الجنود المصرية من بلاد الشام… أصيب محمد علي باشا بحالة من جنون الارتياب… وفي سنة 1844… أن ديون الدولة المصرية قد بلغت 80 مليون فرنك… ثم أصيب إبراهيم باشا بالسل… وفي عام 1848 كان قد أصيب بالخرف… فعزله أبناؤه وتولّى إبراهيم باشا إدارة الدولة… توفي في قصر رأس التين بالإسكندرية بتاريخ 2 أغسطس سنة 1849م… ونُقل جثمانه إلى القاهرة حيث دُفن في الجامع الذي كان قد بناه قبل زمن في قلعة المدينة.
مع تراجع آماله في تحقيق انفصال تام عن الباب العالي وخسارته لجزء من مكاسبه في الشام بفعل الضغوط الدولية، بدء محمد علي يعاني من اضطراب الصحة النفسية والجسدية. الفواتير المالية الضخمة وتراكم الديون التي انكشف عنها في منتصف أربعينيات القرن التاسع عشر زادت من محنته، ثم جاء مرض ابنه إبراهيم ليزيد من آلامه. عام 1848 خرج عن قدرة التصرف فقام أبناؤه بعزله فعلياً، وتولّى إبراهيم باشا إدارة الأمور لفترة قصيرة قبل أن يوافيه الموت. توفي محمد علي في 2 أغسطس 1849 في قصر رأس التين، ونقلت جنازته إلى القاهرة حيث دُفن في جامع القلعة الذي بنى بنفسه. وقد اعتبر كثيرون أن جنازته كانت فاترة مقارنةً بحجم إنجازاته، بينما يؤكد المؤرخون أن إرثه ظلّ قائماً رغم كل الخلافات حول طرقه.
الإرث والتقييم التاريخي: وجهات نظر متباينة
إن أكثر النظريات السائدة… أن محمد علي باشا هو "والد مصر الحديثة"… أما فريق آخر فيرى أنه أجنبي غازٍ
